صعوباتهم التعلّميّة ليست أكثر خطراً من صعوبات إدراكنا

Information

قبل أسابيع قليلة انضممتُ إلى منصّة عالميّة اتّخذت لنفسها شعاراً هو: “اللجنة العالميّة لتعليم جميع الأولاد” أي Worldwide Commission to Educate All Kids (Post-Pandemic) ، ومركزها كندا. المشاركون في حلقة التفكير Think-tank التي تشكّلت من أجل هذه المهمّة يناقشون وفي حلقات أسبوعيّة سؤالاً محوريّاً: “كيف لنا أن نساعد التلاميذ الذين لا يذهبون إلى المدرسة بسبب الجائحة، وَهُمْ في الوقت نفسه، لا يتعلّمون عبر الأونلاين بسبب الصعوبات التعلّميّة التي يعانونها”؟ التشارك بالخبرات رائعٌ لكنّه موجعٌ في آن. في منصّات عالميّة كهذه تكتشف كم هو شحيحٌ الاهتمام بهؤلاء التلاميذ في لبنان، وكم هو موضوع عنايةٍ مركّزةٍ في بلدان عديدة حول العالم.
 
بعد غدٍ الخميس في 22 نيسان (أبريل)، يصادف وقوع “اليوم الوطني للتلامذة ذوي الصعوبات التعلمية”، الذي جرى الاحتفال به للمرّة الأولى في العام 2013. وقد ساهم في إطلاق هذا النهار يومها كل من: مركز سكيلد SKILD، والمركز الثقافي البريطاني في لبنان، ووزارة التربية والتعليم العالي.
 
في حديثنا عن ذوي الصعوبات التعلميّة نحنُ نعني جزءاً من ذوي الاحتياجات الخاصة. هُم ليسوا قلّةً. المؤسف في موضوعهم أمران: الأوّل هو أنّ عدد المدارس الخاصّة والرسميّة التي أنشأت هذا البرنامج هو نحو التسعين، ثلاثون منها رسميّة وستّون خاصّة أي ما نسبته الـ4،5% من المدارس، بينما هُؤلاء التلاميذ بين 12% و15% من مجموع التلامذة أو الأطفال في لبنان. الأمر المؤسف الثاني هو أنّ التلميذ الآتي من عائلةٍ غير مقتدرة ليس له مكان في التعليم الرسمي بكل ما لكلمة “مكان” من معنى. في الوقت نفسه، فإنّ المدارس الخاصّة مكلفة لهؤلاء التلاميذ إذ إنّ تعليمهم في مدرسة “دامجةٍ” يتطلّب توافر اختصاصيّين في مجالات علاج النطق واللفظ، والعلاج النفسي، والعلاج النفسي – الحركي psychomotor therapy، والتربية التقويميّة أو التربية المتخصّصة Special Education، ناهيك بالحاجة إلى Shadow Teacher للتلميذ ذي الحاجات المتطوّرة. عادة تصل قيمة القسط للتلميذ من ذوي الصعوبات التعلميّة إلى ضعفي قسط التلميذ الذي ليس لديه احتياجات خاصة، أو قد يصل إلى ثلاث مرّات أكثر من القسط العادي. الكلفة الإضافيّة تعود الى الحاجة لتوظيف اختصاصيّين في المجالات المذكورة، بالإضافة إلى كلفة توظيف المعلّمين والمعلّمات والموظّفين الآخرين. 
حالات هؤلاء التلاميذ ليست واحدة، وإذا صحّ القول، “كلُّ رحلة تختلف عن الأخريات”. قد يطغى الجانب المعروف بالإدراك والقدرة على الفهم والاستيعاب cognitive، أو الجانب الذي يتعلّق بالتصرّف والتفاعلbehavioral  أي السلوك.
 
كلُّ حالةِ ولدٍ تختلف عن الأخرى. 
عددٌ لا يُستهان به من التلامذة ذوي الصعوبات التعلميّة يتمكّنون من إنهاء التعليم المدرسي، ويسجّلون وأهلهم قصص نجاحٍ رائعة، خصوصاً عندما يتوافر لهم من يتابعهم من اختصاصيين. وعددٌ منهم يتابع الدراسة الجامعيّة. وفي الوقت عينه، هناك حالات يكون فيها الخيار الأفضل للتلميذ هو الانتقال الى التعليم التقنيّ أو المهنيّ قبل الوصول الى المرحلة الثانويّة.
 
يأخذني همُّ التلميذ الفقير الذي يعاني صعوبات تعلّميّة. ما هو الحلّ عندما لا يستطيع أهلُه تغطية نفقات الدراسةِ في مدرسةٍ خاصّة، وعندما لا تتوافر مدرسةٌ رسميّةٌ دامجةٌ في منطقته؟ الحلُّ هو في تخصيص ميزانيّاتٍ للتعليم الرسمي لهذه الشريحة من التلاميذ بدل دفع معاشاتٍ لمعلّمين لا يداومون. وإذا كان في ذلك صعوبةٌ فإنّ الدولة مدعوّة إلى تغطية تعليم هؤلاء في المدرسة الخاصّة، إمّا من ميزانيّتها أو من خلال تأمين منحٍ تقدّمها جهاتٌ دوليّة داعمة، ومنها الجمعيّات الدوليّة غير الحكوميّة.
 
ويبقى موضوع المعلّم العادي والمعلّمة العاديّة في الصفوف التي فيها هؤلاء التلاميذ. نحن بحاجة الى تحفيز المعلّمات والمعلّمين ليضيفوا على معرفتهم ومهاراتهم، معلومات ومهارات ضروريّة لاستقبال تلامذة لديهم صعوبات تعلميّة والتعامل معهم. هذا يحتاج إلى قرار من قبل إدارات المدارس مفاده أنّ تدريب المعلمات والمعلّمين على التعامل مع ذوي الصعوبات التعلّمية هو حقّهم. كما أنه من حقّهم أن يحظوا بتحفيز من خلال رفع قيمة الرواتب مقابل المجهود الذين سيقومون به من أجل كسب المعلومات والمهارات هذه.
 
التلاميذ ذوو الصعوبات التعلّمية هم قضيّتنا جميعاً. عددهم ليس بالقليل. ترْكُهم وشأنُهم ليس صحيّاً علينا جميعاً. لا أُخفي أن قصورَنا عن مساعدتهم سينتج منه بؤسٌ أكبر، وفقرٌ أكثر، وفي مرّات كثيرة موبقات أوسع انتشاراً، ولا سمح الله جريمة متزايدة.
هي صرخة في يومهم. صرخة في ضمائرنا جميعاً، لئلّا تكون صعوباتهم التعلّمية أقلّ خطراً من صعوبات إدراكنا.

Date: April 22, 2021