إنّه أسبوع الخواتيم على الرّجاء

Information

أنهت ثانوية الراهبات الأنطونيات – روميه سنتها الدراسية 2019 – 2020 على الرّجاء حيث لا رجاء.

فبعد إنهاء الدروس عن بعد يوم الاثنين 15 حزيران، كان تنظيم اختتام العام من تقييم عام لما تلقّاه التلاميذ واستوعبوه، وإعطاء الدروس اللازمة كفروض للعطلة الصيفية، وضوابط إطلاق السنة المدرسية الجديدة 2020 – 2021 بنعمة الرّب.

في الاجتماع الدوري للهيئة الإدارية، قبل ظهر يوم الثلاثاء 16 حزيران الجاري، تمّ تنظيم كل الأمور الضرورية للاستراتيجيات الممكنة للسنة الدراسية القادمة. فكان رسمٌ لمخطّطات أربعة يمكن الاستعانة بها: من تعليم كامل عن بعد؛ إلى تعليم مشترك بين الحضور والبعد؛ إلى تعليم عادي في صفوف عادية أو في صفوف منقسمة إلى قسمين. وعليه جرى درس تداعيات كلّ من هذه المخطّطات وكيفيّة وضع برنامج لكلّ منها.

وفي لقاء الهيئة التربوية بعد الظهر، وضع المسؤولون التربويّون كلّ النقاط المطلوبة لتحديد كفايات كلّ مادة في كلّ صف، لتحضيرها مع الأساتذة والمعلّمات، وتنظيم ما يجب لبدء السنة الجديدة بامتحان تقييمي لكلّ تلميذ يساعد الأساتذة في تركيز ما فات التلاميذ من أهداف برنامج السنة الماضية وكفاياتاته، ما يمكّنهم من الانطلاق في السنة الجديدة بعد أن ترفّع الجميع إلى الصّف الأعلى.

ثم كان اجتماع لكامل الهيئة الإدارية والتعليمية لخّصها الأستاذ نصري الحاج كالتالي:

في ختام هذه السنة الاستثنائيّة، التقت الجماعة التربوية في ثانوية الراهبات الأنطونيات روميه، يوم الخميس الواقع فيه 18/6/2020 عند الساعة الثالثة والنصف، برئاسة الأخت باسمة الخوري مديرة الثانوية.

بدأ الاجتماع بصلاة رفعتها الأخت باسمة الى الله، ليحفظ لبنان ويخلّص شعبه من هذه الأزمة الصعبة التي طالت الجميع دون استثناء، قبل أن توجّه للجميع كلمة ترحيب ترافقت بابتسامة من صميم القلب، معتبرةً أنّ الحياة قد عادت الى الدير بعودتنا إلى المدرسة، ولو لمجرد ساعة لقاء.

وبعدها توجّهت الأخت باسمة بعميق الشكر للجميع، إداريّين ومديرات أقسام ومنسقين ومعلّمين ومعلّمات، مثمّنة ما قامت به الهيئتين الإداريّة والتعليميّة منذ ما بعد 28 شباط، والنجاح المميّز الذي حقّقته المدرسة من خلال تكيّفها مع الوضع، ونقل التعليم من الطريقة العاديّة إلى التعلّم عن بعد بسرعة قياسيّة، بهدف التواصل مع التلامذة عبر كلّ الوسائل التكنولوجيّة المتاحة.

وأمّا عن وضع المدارس الخاصّة بشكل عام والكاثوليكية بشكل خاص، فقد شرحت الحالة الصعبة التي تمرّ بها هذه المدارس جرّاء الوضع الاقتصادي المتردّي وقد زاده سوءًا أمر فيروس كورونا، وما يعانيه الأهل من بطالة وفقر وضياع وخوف، وانعكاس كلّ ذلك على المؤسسات التربويّة.

وبعد أن وضعت الحاضرين بأجواء الاجتماعات التي تحصل بين القيّمين على المدارس الخاصة والكاثوليكيّة منها بشكل خاص مع وزارة التربية وكلّ المسؤولين الدينيّن والسياسيّين، أخذت الأخت باسمة وقتها لعرض كل الانتظارات والامكانات المتعلّقة بالسنة المدرسية القادمة 2020 – 2021 على صعيد البرامج والمناهج وعدد الساعات والتواريخ، مؤكدة بأنّنا نعمل وكأنّ الآتي من الأيام سيكون عاديًّا، على الرغم من كلّ الضبابيّة والضياع.

ثمّ عرضت البرامج التي تعمل عليها الادارة اليوم، بانتظار القرارات الرسميّة وتطوّر الأمور الصحيّة وغيرها، من برنامج عادي، (من 5 أيام و 34 ساعة، إلى أيام وساعات أقل)، إلى برنامج مختلط بين الحضور المدرسي والتعلّم عن بعد بمعدل 3 أيام في المدرسة و 3 أيام في البيت، إلى برنامج يقتصر على التعلّم عن بعد. وفنّدت كلّ التحدّيات التي تطال كلّ من هذه المخططات من توزيع للتلامذة بحسب الصفوف والأيام والساعات، وتوزيع للمواد بحسب كلّ مخطط، وتوزيع للأساتذة والأوتوكارات، اضافة إلى التحديات المتعلّقة بالمنصّات الالكترونية والبرامج التدريسيّة الأفضل…

وبعدها تحدّثت، بكلّ شفافيّة عن وضع الثانوية والصورة القاتمة التي تحيط بها، فالأهل بغالبيتهم باتوا عاجزين عن تسديد الأقساط، مما سيؤدّي إلى انفصال عدد غير قليل من التلامذة للالتحاق بالمدارس الرسميّة، التي هي بدورها غير قادرة حتى السّاعة على استيعاب هذا العدد من التلاميذ، معتبرةً إنّ مصلحة التلميذ أولوية، وتأمين التعليم حاجة وضرورة، لأنّ لا وجود للبنان دون علم وثقافة. وقد أعربت عن أسفها الشديد وألمها العميق لإمكانيّة اضطرارها الاستغناء عن عدد من أفراد الهيئة التعليميّة أمام انخفاض عدد التلامذة والتراجع الخطير في الامكانات المادية. ثم طُلبت من الجميع العلم، انّ هذه الفترة هي وقت الوعي لأهميّة التعاضد والتكافل لتأمين الاستمرارية، وعلينا التنبّه إلى مخاطر ما ينتظرنا على الصعيد الاقتصادي.

وبعد أن أوضحت أن هذه الثانوية ستحافظ، كما كانت دومًا، على أوليّة رسالتها التربويّة الروحيّة، رجت الجميع التعامل على هذه الأساس في هذه الأوقات الحرجة. وعليه، أكّدت بأنّنا سنكون جميعًا “معًا” في البحبوحة وفي الصعوبة، وأشارت إلى أنّها لا تعِدُ ببقاء الجميع في عداد المعلّمين للسنة القادمة لأن ذلك مرتبط بعدد التلامذة المسجّلين، واعتذرت من الذين ستضطرّ المدرسة للاستغناء عن خدماتهم بانتظار تحسّن الظروف؛ ولا تعِدُ بأن جميع الباقين سيحصلون على رواتبهم المحقّة والعادلة في وقتها، لكنّ الجميع سيحصل على ما يدخل صندوق المدرسة، بالمساواة، إلى حين انفراج الأزمة وحلحلة الأمور، قائلة إنّ الجوع لن يميتنا، إنّما علينا ألاّ نموت قهرًا ولا أن يموت أولادنا “جهلاً”.  وإذا حصل، لا سمح الله، وطال الجوع البلاد فلا أحد من جماعة هذه الثانوية سيجوع قبل جماعة الدير. وقد اعتبرت انّ هذه الأزمة ربما ستدوم لعامين أو أكثر لكنّ بعد الضيق فرج وبعد التعب راحة، ولطالما آمنّا بأنّ القيامة هي ختام مسيرة الموت والقبر.

وختمت بدمعة أسى شاركها فيها كلّ الحاضرين، ذرفتها على الناس وعلى التلاميذ وأهلهم، وعلى الوطن، مذكّرة انّ قبر السيد المسيح ما بقي مظلمًا وباردًا، إنّما قد دُحرج الحجر فكانت القيامة وكان الخلاص، وعليه فلا بدّ من قيامة للبنان الحبيب ومن شاطئ أمان لأهله.

وفي الختام رفعنا الصلاة معًا إلى السّيدة العذراء وأودعناها الوطن وأولاده لتحفظهم وتخلّصهم.

 لقاء مع الأهل عبر الفيديو

ومن ناحية أخرى تواصلت الأخت باسمة الخوري، مديرة الثانوية مع الأهالي الكرام بواسطة فيديو نُشر على صفحة الثانوية الإلكترونية، كما على صفحة الفايسبوك الرسميّة الخاصّة بالثانوية، بدأته بكلمة رجاء وثبات على متابعة الرسالة التي بدأتها الأمّ ايزابل خوري مجدّدة الراهبات الأنطونيات، روميه ومؤسسة المدرسة منذ سنة 1932. وتطرّقت فيه إلى تقييم هذه السنة الدراسية الاستثنائيّة وما تمّ إنجازه من درس عن بعد، ثمّ إلى إجراءات بداية السنة المدرسيّة الجديدة وكلّ الاحتمالات الممكنة على كلّ الصعد: منهجيّات، برامج، تواريخ… وصولاً إلى الوضع المادي والاقتصادي الصعب الذي يعاني منه الجميع.

قداس تخرّج فوج “La Couronne

برعاية سيادة المطران بولس عبد الساتر راعي أبرشية بيروت الماروني، ومشاركة حضرة الأب بطرس عازار، أمين عام المدارس الكاثوليكيّة، احتفلت الثانوية يوم الثلاثاء 23 حزيران بقداس شكر لتخرّج تلامذة الصفوف النهائية فوج “التاج”.

باحترام كامل للإجراءات الصحيّة المتّبعة، توافد التلاميذ المتخرّجون يرافق كلاً منهم الأب والأم، ليعلنوا أمام الرّب استعدادهم لمواجهة كلّ الصعاب، والثبات أمام التحدّيات، ومحاولة تحويل الأزمات إلى فرص فلا تكون أي “كورونا” الفيروس التاج القاتل سوى فرصة لتحويلها إلى “تاج” بطولة وقداسة.

وبحرقة يرافقها الرّجاء قدّمت مسؤولة المرحلة الآنسة سوزان راضي صلاة التقدمة رافعة للرّب كل تلميذ باسمه، وطالبة منه نعمة الخلاص للوطن.  ومن الرسالة التي توجّه بها القديس بولس إلى تلميذه تيموتاوس، قرأ الأستاذ نصري الحاج، متوجّهًا إلى الخرّجات والخرّيجين مشدِّدًا عزائمهم وطالبًا منهم الثبات على الإيمان والقيم.

وفي عظته حول انجيل القديس متى “أنتم ملح الأرض ونور العالم” توجّه الأب عازار إلى الجمع الحاضر مذكِّرًا بأن المسيحيّين هم نكهة هذا العالم الطيّبة بأخلاقهم وانفتاحهم وأخوّتهم، وبأنّ المدارس الكاثوليكيّة هي التي لطالما ربّت الأجيال ليكونوا ملح هذا العالم ونوره. ثمّ طلب من فوج “التّاج” أن يكونوا إكليل فخر لهذا الوطن ولأهلهم ومدرستهم. 

وتناوب الخرّيجون والخرّيجات على رفع واياهم ونوايا أساتذتهم وأهلهم باللّغات الإنكليزية والفرنسية والعربية، واثقين بأنّ الربّ قادر على تحقيق ما يبدو مستحيلاً في عيوننا، لأنّه وحده سيّد الأحداث وربّ التاريخ.

وفي ختام القدّاس الذي رتّلته الأختان رولا الفغالي ولميس قالوش بمشاركة جوقة الرّاهبات الأنطونيات- رشميا، قدّمت السيدة ليلى الصيّاح صلاة الشّكر للرّب على مدرستنا والأهل والأساتذة، وبخاصة على فوج “التّاج” الّذي طلبت منّ الرّب أن يجعل منه دومًا فخرًا في كلّ ما سيحقّقونه في المستقبل.

وقبل توزيع الشّهادات كانت كلمة الأخت باسمة الخوري التي جاء فيها بعد أن رحّبت بالحضور:

… ومن قال أن المشاكل قادرة بسهولة أن تقتل فينا الفرح وتمنع عنا العيد؟

من قال أننا أولاد الخوف وأن لليأس طريق واسع إلى قلوبنا؟

من قال أننا وبكل بساطة سنغلق أبوابنا على اللقاء، وقلوبنا عن العطاء؟

من تجرّأ على هذا لا يعرفنا، ولا يعرف ايماننا وثقتنا الثابتة بالرب وبقدرته، ولا يعرف كيق تربّينا وكيف ربّينا.

ليعرف العالم من نحن، ليس عليه سوى أن يقرأ اسم هذا الفوج: La Couronne

نعم إنه فوج حوّل اسم الموت الى اسم للنجاح والتميّز، وبدلاٍ من البكاء على ما فعل بنا هذا الفيروس التاج، أخذوا منه اسمه وتحدّوه ليجعلوا من اسمه الذي أخاف الكوكب بأمه وأبيه، بكباره والصغار… تاجًا يشير إلى استعدادهم للالتزام بالعمل ليكونوا ملوك الرجاء والاندفاع الى الأمام… دومًا.

لسنا هواة التعامي عن المصائب التي تحيط بنا، ولسنا من الذين يطمرون رؤوسهم هربًا من مواجهة الحقيقة المرّة، ولسنا ممّن ينأون بأنفسهم بحثًا عن السلامة منتظرين انجلاء الأمور ومرور العاصفة. نحن أولاد الشهداء والقديسين الذين ما تراجعوا يومًا أمام المحن ولا هربوا من مسؤولياتهم حتى أمام الموت. هكذا عملنا على تربيتكم، والفخر لنا لأننا وجدنا فيكم يا فوج التاج، تجسيدًا لهذه الروح.

اليوم، وبعد كل ما أصاب البشرية من مرض وموت وانهيارات اقتصادية واجتماعية تنذر بالأسوأ، وبعد كل ما أصابنا حتى اليوم في لبنان من مآسٍ، لن أعددها، فقد فهمتموها وحفظتموها أكثر من حفظكم لدروسكم، وأمام ما يبشّروننا به من أمور ربما تكون أصعب بكثير، ألغت كل المؤسسات التربوية حفلات التخرّج، ولم نستطع إلى ذلك سبيلاً لأنه لا يمكن أن نترك أولادنا يذهبون دون أن نقول لهم الى اللقاء.

أيها الخريجات والخريجون، عشتم في هذه الثانوية أجمل سنوات الطفولة والنمو، وانتظرتم أن تكون سنوات المراهقة حلوة بتحدياتها والانتظارات بإذا بكم تواجهون، إضافة إلى صعوباتها، كل ما أخاف الناضجين والمسؤولين… وكل ما لم يكن من المفترض عليكم ان تواجهوه.

حلمتم بطريقة أخرى لإنهاء سنوات الدراسة، من احتفالات في المدرسة مع راهباتكم وأساتذتكم والمعلمات، الى تطوافات وداع مع كبار رفاقكم وصغارهم في ملاعب ثانويتكم وطرقاتها ومماشيها، الى حفلات خارج المدرسة مع بعضكم ومع الأهل والأقارب، الى تخرّج يفوق روعة كل ما سبق من حفلات تخرّج اعتدنا أن نتفوّق على أنفسنا فيها سنة بعد سنة…

وإذا بنا في الحجر منذ شهور أربعة، نكمل الدروس عن بعد، نخطّط عن بعد، نتلاقى مع بعضنا عن بعد، وكأن البعد صار من مكوّنات حياتنا….

لكن بعد هذا القداس الرائع أؤكّد لكم أن ما يبقى ليس البعد، بل قرب الأخوّة التي نسجناها فيما بيتكم يومًا بعد يوم، وهذه الشهادة التي ستتسلّمون اليوم. هذا ما سيطبع انتقالكم إلى النضوج وتحمّل المسؤولية وأخذ القرارات الأفضل لحياتكم: من التخصّص إلى عيش القيم والتمسّك بالأهم…

يا شباب، يا صبايا، يا أولادنا الأحباء،

أمام الواقع المخيف الذي يحيط بلبنان وشعبه، ستكبرون بطريقة أسرع مما فعل غيركم من الذي سبقوكم، وحولكم ما يجعلكم لا ترون من الحياة إلا صعوبتها: الجوع الذي يطرق أبوابنا ولم نكن نعرف ما هو معناه،

المرض الذي أخاف أكبر الكبار، ولم نكن نخافه،

إنعدام فرص العمل وانغلاق الأبواب في وجوه الجميع بعد أن كانت الآمال كبيرة بوجود الفرص الكثيرة في كوكب كان قد تحوّل قرية مفتوحة،

القلق من غدٍ لا نعرف ماذا يحضّر لنا… ولوطننا ولأهلنا والأحباب…

في هذه الظروف، لم يعد بإمكان أحد أن يقول لكم ما زلتم صغارًا لتفهموا ما يحصل، لأننا جميعًا أصبحنا عاجزين عن الفهم، لا بل لربما كنتم قادرون أكثر من المسؤولين على فهم ما لا يسبرون غوره!

لم يعد بإمكان أحد أن يقول لكم هكذا هي الأمور، هكذا كانت منذ البدء ولا بد أن تبقى هكذا وتستمرّ، لأننا نرى اليوم إلى أين أوصلنا ذلك،

نحن جميعًا أما حالة لا مسبوقة من عدم اليقين، أمام شكوك تطال كل جوانب حياتنا، وظهر عدم قدرة الكبار على استنباط الحلول الدائمة، فعليكم أنتم أن تخترعوا الجديد.

لا تخافوا، اتبعوا حدسكم وما وضعه الله فيكم من رؤى داخلية تدفعكم الى فعل العظائم على ما فعل عظماء التاريخ ابتداء من أبطال الكتاب المقدس الذين صنعوا الخلاص مع الرب.

مريم أخت موسى النبي  وخادمة القائد العسكري نعمان الارامي ونحميا الأسير العبراني

كانت الأولى لا تزال طفلة، عندما كانت حياة أخيها الصغير على المحك. كان الفرعون قد أمر بقتل كل طفل ذكر يولد (خر : 2) فسلّمت يوكابد الأم أمر ابنها الى الله ووضعته في سلّة قصب في النهر. احترق قلب مريم على أخيها وقرّرت أن لها دور في خلاصه.

لاحقت السلّة على طول الشاطئ، وبكل شجاعة تجرّأت هذه الطفلة، بنت العبيد، أن تتوجّه الى ابنة الفرعون … فتحقّق مشروع الرب!

قام بعمل بسيط جدًا؟ طبعًا لكنها قامت بما يجب عليها فكان هذا البسيط خلاصًا كبيرًا!

تحوّلت المصيبة إلى تاج خلاص.

وخادمة القائد العسكري نعمان الارامي ابنة البيت التي وجدت نفسها مسبية تخدم عند قائد الأعداء في بيت نعمان السوري. في بيته عرفت أنه بالحقيقة إنسان عادي، مضروب بالبرص. وأن بزّته العسكريّة التي كانت تخفي حالته في النهار، ما كان يمكن أن تخفي مصيبته ووجعه القلق في بيته. شهدت على ركضه من طبيب لآخر بلا نتيجة، فكان يمكنها أن تقول: بيستاهل، الله ضربو، عمرو ما يشفى… لكنها قرّرت أنه إن تعرّف على الله الحق فإنه سيخلّص الكثيرين ويقودهم معه الى الرب.

فتشجّعت وقالت له: “ليتك تذهب الى النبي بالسامرة، فم الأكيد أنه سيشفيك من البرص” (2أخ 5: 3).

فناصغيرة خادمة مسبية أخدت مبادرة أكبر منها، وبفضل هذه المبادرة البسيطة صارت أداة بين أيدي الرب لتتحقّق إرادته بخلاص كل العالم.

كان إعلان إيمان عظيم: “أعترف بأن لا إله على الأرض كلها إلا الإله الواحد” (2أخ 5: 15).

وتحوّلت المصيبة إلى تاج قداسة!

ونحميا الأسير العبراني، الذي صار خادمًا على مائدة ملك الفرس، ولفت نظر المسؤولين بذكائه وأخلاقه، حتى تحوّلت حالة الأسر عنده الى نعمة. لكنه لم يستكين. كان في قلبه وجع وقلق لحالة شعبه، وبلاده المهدّمة (نح 2: 13). صام وصلّى وانتظر إرادة الله. ويوم سأله الملك عن سبب تعاسته. انفتحت أمامه الفرصة لتحقيق الرجاء، فتجرّأ على أن يطلب من الملك أرتحششتا السماح له بالذهاب إلى مدينته لإعادة بنائها. قايد إعمار البلد ورجا الشعب، وتحوّلت المصيبة إلى تاج بطولة.

طريق النجاح تبدأ بحرقة قلب على حاجة معيّنة، تخلق فينا رؤية لشي أفضل يمكن أن يتحقّق، وجرأة ل تحمل المسؤوليّة، والتزامًا بتحقيق الهدف.

وما أكثر الحسرات في قلوبكم اليوم، لا تخافوا منها، ولا تقبلوا بأن تكون لكم مصيبة تقف حاجزًا أمام الأحلام. لا تقولوا أبدًا لماذا؟ وتقفوا باكين: بل قولوا لمَ لا؟ وامشوا نحو الأعظم ، نحو مستقبل أعظم، لكلٍّ منكم دور في تحقيقه.

هذه هي رغبة الرب، وهي  رغبة أهلكم الذين تعبوا سنين طوال ليكون لكم الدرس والثقافة، سلاحًا لا يُقهر، ولطالما كانت رغبة إدارتكم واساتذتكم أيضًا الذين تعبوا ليحققوا لكم ذلك.

في قلوبكم يا تلامذتنا وتلميذاتنا المتخرجين هذه الليلة عزمٌ لا حدود له لتحدٍ حقيقي يوصلكم الى تحويل الأصعب إلى نجاح متميّز، إلى تاج النجاحات. صلاتي لكم ورجائي منكم أن تؤمنوا بأن لكل منكم دور أساسي في خلاص لبنان والعالم.

أمام وضع لبنان غير المستقر، وأمام عالم عربي مزقته الحروب، وأمام أكبر أزمة إنسانية تدقّ أبوابنا، كونوا منارات الأمل بغدٍ أفضل متحدّين كلّ فكر يائس محبِط. كما مريم النبيّة والخادمة الجريئة ونحميا القائد… أنتم محدِثو التغيير، أنتم مبلسِمو الجراح، أنتم زارعو الأمل. 

 نحن اليوم جميعا فخورون بكم، إدارة وأساتذة وموظفين وأهلاً.

أنظروا ، إلى والديك الذين رافقوكم. لقد آمنوا بكم، ورعوكم بعرقهم ودموعهم وقد وضعوا فيكم كل رجائهم. اشكروهم، لأنهم بالرغم من كل الصعاب وضعوا أمام أبصارهم هدفًا هو أن يجعلوا منكم الأفضل فأوصلوكم الى هذا اليوم. أشكروهم وأكملوا المسيرة وانجحوا في حياتكم من أجلهم. واصنعوا عائلات تحققون فيها لأولادكم ما صنعوه لكم.

اشكروهم ولا تخافوا أن تقولوا: الآن دورنا.

ونحن بدورنا نشكركم يا أهلَ خرّيجينا وخرّيجاتنا؛

بإسم الإدارةِ والاساتذةِ، وباسمِ أولادكم المتخرّجين، نشكركم ألفَ شكر على ثقتكم بنا، وقد عهدتم إلينا بالأعزّ والأغلى، وأمام الرب نعلن بأننا فعلنا ما يرضي ضميرنا أمامه، وبأننا سنكمل صلاتنا من أجلهم، دون أن نتراجع عن مسؤولياتنا تجاه الآتين من إخوتهم وأخواتهم.

ويا أيها الخريجون والخريجات لنقدّم الشكر أيضًا للراهبات اللواتي رافقنكم بالسهر والصلاة طيلة هذه السنوات دون أن ترونهم يوميًّا، الأخت جوليات حريقة التي بدأتم معها مسيرتكم الدراسية في صف الروضة فرافقت كل هذه المسيرة بالحضور أيام طفولتكم، وبالدعاء كل الأيام الأخرى، والأخت مرغريت ماري اسكندر، والأخت أنطوانيت غالب والأخت ماري هيكل.

ولنقدّم الشكر الخاص لمديرة المرحلة الآنسة سوزان راضي التي أحبتكم حتى صرتم على حسب قولها قطعة من قلبها، فبادلتموها المحبة والاحترام. اختبرتم هذه السنة وبشكل استثنائي محبتها لتلاميذها وسهرها على كلٍّ منهم وكأنه طفل وحيد. صار صوتها خلال فترة التعلّم عن بعد وكأنه صوت فرد من أفراد العائلة، تتابع وتسأل وتوجّه وتطالب، وقد رأت في كل منكم شخصًا فريدًا يستحقّ وقتها واهتمامها.

اشكروا معي أيضًا كل المعلّمات والاساتذة الذين جعلوا منكم ما أنتم عليه اليوم، كم تعبوا معكم بفرح، عن قرب أو عن بعد، وكم أعطوا من وقتهم، بحسب القانون مرة وبحسب محبّتهم وتفانيهم مرارًا، لتكونوا الأفضل دومًا، كافأهم الله خيرًا.

كما أطلب منكم شكرًا خاصًا للسيدة ميراي طرابلسي، والسيدة لودي السبع والأستاذ رائد أيوب. أليسوا من رافقكم على عدد ثواني وجودكم طيلة سنوات تعليمكم الثانوي.

ولا بد أن نشكر معًا الأخت رولا فغالي والأخت لميس قالوش والجوقة التي نقلتنا الى أجواء من يرتّلون المجد الدائم أمام الرب وأنسونا صراخ عالمنا ونشازه. جعلكم الرب صوت الفرح الدائم.

والشكرُ لك يا أبونا بطرس عازار، أمين عام المدارس الكاثوليكية، وقد أردت مشاركتنا قداس الشكر هذا،

شكرًا لك لأنك واجهت وتواجه الصعوبات متحدّيًا كل الحواجز، ساعيًا دون يأس ولا إحباط للوصول إلى ما تؤمن به، وما تسعى الى تحقيقه، على خطى الرب يسوع، متمسّكًا بشجاعة الايمان بنعمته وقدرته على تحقيق الخلاص مهما طالت الأزمة.

مع كل الحاضرين نشكرك على كل التعب الذي تعانيه لضمان استمرارية التربية والتعليم ايمانًا منك أنها ضمان وجود لبنان المتميّز معرفة وثقافة وانفتاحًا وأخوّة.

ولكم يا سيادة أبينا المطران بولس عبد الساتر، نقول شكرًا، ليس لمشاركتكم في قداسنا وحسب بل لما أنتم عليه من ثورة مقدّسة وحضور فاعل لكل شخص في كنيستنا،

أردنا أن تكون أمام خرّيجينا وخرّيجاتنا مثالاً، لأنك الراعي الذي ثبتّ في ايمانه ليثبّت الجميع في إرادة بناء الكنيسة الجامعة والوطن الأفضل،

مثالاً لأنكم وضعتم نصب عينيكم ما تحلمون به لكل من أولاد الكنيسة فمشيتم أمامهم ودعوتموهم ليتقدّموا خطوة كل يوم، دون أن تخيفهم الحواجز.

مثالاً لأنكم واجهتم وتواجهون الصعوبات متحدّيًا كل الحواجز، ساعيًا دون يأس ولا إحباط للوصول إلى ما تؤمن به، وما تسعى الى تحقيقه، على خطى الرب يسوع، متمسّكًا بشجاعة الايمان بنعمة الله، وقدرته على تحقيق الخلاص مهما طالت الأزمة.

تمسّكت بالرجاء، فأنت اليوم أمام خرّيجينا وخرّيجاتنا معلّم الرجاء. شكرًا لك وقد أضحيت صورة للشجاعة والتحدّي.

يا أيها الخريجون والخريجات، يا تاج مدرستنا وفخر أهلكم والوطن، انطلقوا، فالحياة تنتظركم لتدخلوها، وأنتم لها مهما صعُبت، ادخلوها بالإيمان والشجاعة والصمود، وبالفرح والعزيمة.

انطلقوا وغيّروا العالم إلى الأفضل، وكونوا على جبين الوطن التاج الأجمل ونحن جميعًا واثقون بأنكم  قادرون على ذلك.

عشتم يا أحبائي، وعاشت ثانويتكم مدرسة للإبداع في فنون بناء الرجاء، وعاش لبنان الكبير وطن الثبات في الرسالة الانسانية والأخوّة الحقّة.

آمين

مبروك لكلّ متخرّجة ومتخرّج ومبروك للبنان بشبيبته المتميّزة… وعقبال كلّ ولادنا.

Date: June 25, 2020